مـنـتـدى بـيـت الأدب المـغـربـي

أنـت ومـا تـكـتـب لا مـا أنـت عـلـيـه
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 المقترح السردي في القصة القصيرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


عدد الرسائل : 92
تاريخ التسجيل : 25/02/2007

مُساهمةموضوع: المقترح السردي في القصة القصيرة   الأحد 15 أبريل 2007, 19:05

المقترح السردي في القصة القصيرة

قراءة في مجموعة "البرشمان"

أحمد زنيبر



عرفت القصة القصيرة، في السنوات الأخيرة، إقبالا متزايدا وملحوظا، على مستوى الإنتاج والتلقي معا، نظرا لما توفره، كمجال للتعبير والكتابة، من فسحة للمقاربة والتخييل، من جهة، ومن متعة للقراءة والتأويل، من جهة ثانية• ومن ثمة، كانت القصة بهذا المعنى أو ذاك، عالما منفتحا على الحداثة والتجريب والمغامرة، بما توافر لدى كتابها من مهارات فنية وكفايات إبداعية• ولعل من الأسماء، التي راهنت على هذا الجنس الأدبي ولم تبغ عنه بديلا، نذكر اسم القاص المغربي أنيس الرافعي، الذي شكلت مجاميعه القصصية إحدى المحطات الأساسية، التي تبنت عددا من التقنيات الجمالية الجديدة وجملة من التنويعات السردية، لغة وموضوعة وحمولة• فالمتتبع لنصوص الرافعي القصصية مدرك لا محالة طموحه الواضح في تنويع الخطاب السردي ورغبته الجامحة في ارتياد أفق التجريب، تصورا ومنجزا• وبين هذا الطموح وتلك الرغبة، يتم اقتراف نصوص تواجه الرتابة وسلطة المثال وتجابه العادة والبلادة، من خلال البحث والتقصي وفيض السؤال، معلنة بذلك، عن درس في العصيان القصصي الجميل• فبعد مجموعته الأولى "أشياء تمر دون أن تحدث فعلا، تمارين قصصية" ومجموعته الثانية"السيد ريباخا، تعاقبات قصصية"، يطالعنا أنيس الرافعي بعمل سردي جديد لا يقل جدة وجودة عن سابقيه ولا يختلف عنهما فلسفة وصناعة قصصية• إنها مجموعة "البرشمان، ملاحظات قصصية" وهي التجربة الثالثة في مساره الإبداعي المتنامي• تجربة قصصية تحتضن ستة نصوص تفاوتت حجما ومساحة• أما موضوعاتها فقد اعتبرها الكاتب (ملاحظات قصصية) تدين "لولع فائق بملاحقة موضوعة (الداخل والخارج)• موضوعة جدلية بامتياز، تتيح "الدخول والخروج" في الحكي" (ص9)• ومعنى ذلك، أن الكاتب ماض قدما في مسيرته التجريبية مع سبق الإصرار والتوسل الفني، متخذا من عملية (ضرب البرشمان) ذات الطابع المغربي الصرف، لعبة أثيرة، حيث الصنعة والحركية وتداخل الإيقاع اليدوي المنتظم، من أجل نسيج قصصي رفيع الحياكة والحكاية• وهو بذلك، دائم البحث في القصة القصيرة، وحدها، عن جمالية محتملة وعن حياة دائمة تتأبى الانصياع الكلي للرتابة والمعتاد، دون أن تنسى تحصين هذا الاختيار الجمالي من الضياع داخل مملكة الأجناس الأدبية الأخرى• فماذا عن هذه الملاحظات القصصية؟ وكيف انتظمت حكاياتها وفق لعبة "البرشمان"؟ وبأية لغة نسجت تعبيراتها وجدلية الداخل والخارج؟•• تتخذ مجموعة "البرشمان" موضوعاتها الحكائية من المرئي والمسموع والمشاهد، ومن كل ما له صلة بالعوالم المشتركة بين الإنسان والأشياء، في انفصالهما تارة وفي اتصالهما ببعض، تارة أخرى، وذلك عبر لغة قصصية تجاوز وظيفتها التواصلية إلى وظيفة إبداعية، تمتح من العادي والمألوف، ومن المفترض والمحتمل، في ذات الآن• يقول الكاتب: "إن هاته الملاحظات القصصية، دعوة مفتوحة للتمعن في درس الأشياء خارج أبعادها الوظيفية والنمطية لإدراك حيواتها الباطنية والموازية التي هي جزء لا يتجزأ من مصائرنا كأفراد" (ص10)• كما تحبل المجموعة بسلسلة من الموضوعات الثنائية والجدلية، مثلما نجد في ثنائيات الداخل والخارج، الحاضر والغائب، الجامد والمتحرك، الثابت والمتغير، المادي والمثالي•• وغيرها من الجدليات الممكنة والقائمة؛ الأمر الذي يجعل نصوص البرشمان تنفتح وتنغلق، في ذات الآن، على عوالم مختلفة تركيبا ووظيفة، وبالتالي، تمنح الكاتب مجالا أوسع لضرب الحكي، من خلال تأثيث فضاء المشاهد وتأطير بنية الأحداث، وكذا رسم الشخوص وتحديد الأدوار• وهكذا نعثر على شواهد تمثيلية كثيرة، تدعو إلى تأمل علاقة الإنسان بالعالم الخارجي وبالأشياء، الجامد منها والمتحرك، من حيث هي علاقة تثير أكثر من سؤال وتفضي إلى مزيد من المتابعة والملاحقة، تجليا وخفاء• يقول الكاتب: "على الرغم من كوني أعلم الصعوبات الناجمة عن محاولة ارتكاب مقترح سردي من هذا الطراز المعقد، لكني أريدك - بداية- أن تنجح في تخيل نافذة وكرسي ورجل• الرجل ذاته، الذي سوف يصير بعد قليل هو أنا، جالسا على متن ذلك الكرسي أمام تلك النافذة• أنا الآن على أهبة أن تسند إلي دورا محوريا في حكاية غير روتينية• وبغاية الضلوع في هذا الهدف بدقة وضمانات كافية، يتوجب أن تضاعف من مجهوداتك كي تتخيل - أيضا- حديقة عمومية، ثم نفس الحديقة وهي تقف صاغرة أمام جبروت عمارة برتبة خمسة طوابق" (ص33)• وهكذا، تختلط الأحداث والمشاهد، داخل البرشمان، ويتم ضفرها قصصيا ولغويا ما بين إنسان وغير إنسان، إلى الحد الذي تتكسر فيه الحواجز بينهما ويصعب، بالتالي، معه تبين من يمتلك زمام السرد• هل هي الشخصية القصصية أم الشيء القصصي، بابا كان أم جدارا أم كرسيا أم غير ذلك؟ يقول الكاتب، مثلا: "المهم أن تلك "البرهة الضئيلة" كانت كافية بالنسبة ل(ي) للاسترسال في الحكي، وهي ذاتها جعلتك ترفع عينيك على نحو عرضي صوب اللوحة المسندة إلى الجدار قبالتـ(ي) في مواجهة سريرك بالضبط• لوحة مستنسخة ل"فرناندو بوتيرو" غرستها هنا بمسمار الرومانسية يد أنثوية عابرة، ثم مضت ذات خصام تاركة إياها في مهب الغرفة مثل جملة ناقصة• لوحة كثيرا ما مررنا عليها نحن -الاثنين- ببصرنا مرور البخلاء ككل الأشياء التي تنمو بالقرب منا دون أن نقرئها كسرة انتباه أو ننشب التخمين في حيواتها السرية" (ص27)• وغير بعيد عن نفس الأفق السردي، الذي يحفل بالأشياء، ككائنات قصصية لها مشاعر وأحاسيس ومواقف؛ بل وردود أفعال متباينة إزاء الأحياء، يجد القارئ نفسه ينتقل من موضوعة قصصية إلى أخرى، فيتابع الحكي حول الجدران والكراسي والصور الفوتوغرافية تارة، ويتعقب الملاحظات حول الأبواب والشاشات السينمائية والأحصنة المعدنية تارة أخرى، وفق استراتيجية (برشمانية) تجريبية تجمع، في ذات السياق، بين السرد والوصف والحوار والتأمل والسخرية والنقد والاحتجاج وغيرها، بشكل أفقي وعمودي معا• لقد كتب أنيس الرافعي، في هذه التجربة، بضمير الشيء القصصي ليبين كيف أن للأشياء بدورها حياة سرية خاصة بها، وكيف يمكن لهذه الأشياء المتحدث عنها، أن تنتج خطابها منتقمة من تشيئ الكائن الآدمي لها، من جهة، أو تعلن تذمرها من صمم الكائنات نفسها، من جهة ثانية• وتأسيسا على ما سبق، يمكن أن يجد القارئ (الكرسي) مثلا، وقد تحول إلى كائن حي له مشاعر وأحاسيس يسمع حديثه للآخر، ويمارس حقه في الوجود والاختلاف• أو يجد (الباب) وقد دخل في حوار مع السارد وأصبح هو المتحكم في المشهد والحدث، أي هو من يوجه القصة عبر اللغة والتخييل• أو يجد، في مقام آخر، ذلك (الجدار) وهو يدين سلوك البشر المشين، مثلما نجد في قول السارد: "على الرغم من كونـ(ي) لست واثقا من نفسـ(ي) تماما حين أقول هذا، فمن المحتمل أن كل شيء بدأ على هذا النحو العصي على الاستيعاب، حين أراد مستندا إلى عمود نور كهربائي أن يفض سحابة بنطاله كي يفرغ رشاش مثانته أسفلـ(ي)• حدث هذا ليلا في وقت متأخر جدا• وتحديدا مباشرة بعد خروجك بجسد ناقص الحضور ومعفى من مهامه من إحدى الحانات وقد بلغت من السكر عتيا" (ص61)• إن الأشياء المقترحة هنا، وقد توبعت قصصيا، عبر الملاحظة الذكية الواعية، تنتقل من المفعولية إلى الفاعلية ومن السلبية إلى الإيجابية؛ غير أن ذلك لم يكن ليحدث لولا دقة هذه الملاحظة مع حسن التأمل والتصوير، بما في ذلك من توظيف محكم لجدل الداخل والخارج، باعتبارها جدلية تؤسس لتجربة البرشمان القصصية• يضاف إلى هذا وذاك، ملاعبة الكاتب ومداعبته للغة، ذهابا وإيابا، بتقنيات تعبيرية متنوعة، كأن يجعل من أحد المشاهد المختارة أو اللقطات القصصية المعروضة، مثلا، مشهدا سينمائيا لا يخلو من جمالية محتملة وحقيقية في آن• يقول السارد: "لقطة مقربة أولى لكاحل قدم يمنى يعلق على نحو يعادل الكسر المركب في فراغ بين صخرتين• - قطع خشن في المنتاج الموازي للصورة• ثم لقطة مقربة ثانية لسيقان حيوان بري تجاهر بسرعة لا تقبل النقاش• وفي رمشة كاميرا متعاقبة على وتيرة واحدة، يستمر تتابع وتناظر اللقطتين تحت جنح إيقاع موسيقي صريح الجريمة• إيقاع يرتفع وينخفض••" (ص53)• ولا شك أن الحديث عن اللغة القصصية، في ارتباطها بعوالم الحكي، وانتصار كاتبها لمتطلبات ورشة مفتوحة على الحفر والنبش التجريبيين، كما هي عند كتاب القصة العالمية أمثال كالفينو وكورتزار وغيرهما، حديث يؤكد إيمان الكاتب أنيس الرافعي المطلق بالقصة القصيرة، كاختيار فني واحد لا شريك له• وترسيخا لذلك، تستوقفنا بعض الانزياحات التعبيرية واللغوية الكثيرة، التي يتبناها الكاتب، تثير ذائقة المتلقي وتحدث لديه صدمة جمالية، بما في ذلك من أساليب التعرية والسخرية وتقنيات الهدم والبناء أو اعتماد المباغتة والمبالغة ودعوة القارئ إلى المشاركة في بناء الحكاية وما إليها، مما يخالف أحيانا أفق الانتظار• يقول السارد/الكاتب مثلا على لسان الكرسي مخاطبا صاحبه: "لو سمحت أن يستوعب مسنداك الجانبان ذراعـ(ي)• تفضل أ أثني ركبتـ(ي) في سفحك• وكرم لا يحصى أن أنجز فيك ثقبين لصرف الأنفاس والصور الخفيفة•••لكن يا عزيزي لا مناص منه حتى تظل واردا ولو بأضغاث بقاء• حتى أدخل أبعاد(ي) في أبعادك وأركب أجزائـ(ي) في أجزائك• حنى أحقق رغبتـ(ي) في أن أظل مكبلا - مطمورا - قابعا - بين ظهرانيك - في سويدائك - تحت جلدك إلى الأبد!" (ص48)• إن استحضار الكاتب لمقومات أسلوبية بعينها كالتكرار والطباق واللف والنشر ووجوه البلاغة المختلفة، التي تخدم الشعر كما تخدم النثر، تتخطى التعريفات التقليدية من حيث هي زخرفة وتزيين إلى منطق القصة ذاتها وما تقتضيه من حبكة وتخيل يراهنان على نوعية الخطاب، كرسالة موجهة إلى القارئ المفترض من جهة، وعلى نقاء وصفاء الجملة السردية، كصياغة جمالية مطلوبة، من جهة ثانية• فالقصة واللغة، بهذا الأفق، وجهان لعملة إبداعية واحدة• يقول السارد/الكاتب من مقطع يتوسل فيه بالتكرار من أجل تأكيد وتعميق الفكرة القصصية المقترحة: "وجوه على غرار وجوه• وجوه وجدتها بطريقة منهجية ووجوه ضيعتني بطريقة عشوائية• وجوه انصرفت عني ووجوه انفرطت منها• وجوه تورطت فيها ووجوه تنزهت عنها• وجوه أينعت في وجهي ووجوه ضمرت في وجوهها• وجوه مثل الضرورات التي تبيح المحظورات ووجوه مثل نواقض الوضوء• فلأعترف أني تطهرت من كل الوجوه التي بلا وجوه•• فلأعترف لمرة واحدة••• وها أنا أعترف أني راسب كبير في الصداقة!" (ص19)• وكما يستقرئ أنيس الرافعي أسرار أشيائه وكائناته القصصية يرصد، كذلك، علاقاتها وتحولاتها الممكنة مع الكائنات الآدمية، تبعا لجدلية الواقعي والمتخيل• ولعل "الوصف"، إلى جانب "السرد" وكفايات تجريبية أخر، طبعا، كان إحدى المهارات الأساسية التي مكنت الكاتب من تحقيق مشروعية ما لمقترحه السردي الساعي إلى"ضرب" مكتسبات المنطق الضار بأي خيال سليط(ص9)• وهكذا حين تمتزج المهارات والكفايات التجريبية، دخولا وخروجا، تعتنق منطقها الخاص والمتفرد• ولنا في هذا المثال خير شاهد، يقول الكاتب/السارد: "مثلما تقود عين آثمة براءة الخيط إلى حتف الإبرة، طفق سارد جديد لا يتزحزح قيد أنملة عن هواجسه، يستدرج عقلي - يوما تلو آخر- نحو معاقرة الحصان المعدني، الذي دفع -تدريجيا- بصري لإدمان لعبة الأخذ بزمامه• تلك اللعبة، التي كلما كنت مباشرة بعد العودة من الوظيفة غب كل مساء أسهب فيها ما فضل من سحابة اليوم، إلا وتمخض النهار عن انهمار مصائب جمة• جمة جمة كالأرانب الصناعية، ودون ما إمكانية للاستفادة من عزاء التشبيه•"(ص35)• ختاما، إذا كانت لغة "البرشمان"، الخاضعة لجدل الداخل والخارج، أول وآخر ما يلفت الانتباه؛ فإن ذلك، تبعا لضروب الحكي المفترض، لم يصدر عن فراغ وإنما عن وعي نقدي يبرر ذلك الاختيار الفني، الذي يدافع عنه الكاتب أنيس الرافعي كل لحظة وحين• اختيار فني وجمالي ينزع إلى زعزعة النسق التقليدي باقتراح نص يمتح من مشارب ومرجعيات عدة، أدبية وفنية وفلسفية ودينية وغيرها، نص منفتح على الكائن والممكن والمحتمل أيضا• غير أن هذا الانفتاح، بدوره، لم يكن مجانيا أو اعتباطيا؛ وإنما أفرز، هو الآخر، مواصفات بديلة تحتكم إلى الواقع، من حيث هو واقع متحول ومتغير باستمرار استوجب ويستوجب، بهذا المعنى أو ذاك، تحولا وتغيرا على مستوى التعبير وطبيعة الاشتغال، صوغا وأداء• إجمالا، تبقى تجربة الكاتب أنيس الرافعي تجربة مغرية بالقراءة والمتابعة وحسن الإنصات لمقترحها السردي، قبل الإقدام على إصدار أي حكم مسبق أو متسرع يرمي صاحبها، مجانا، بالمروق أو العقوق الأدبي•

إحــالات:

* البرشمان، ملاحظات قصصية• أنيس الرافعي• منشورات الشاطئ الثالث• 2006
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://difference.forum2discussion.com
 
المقترح السردي في القصة القصيرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مـنـتـدى بـيـت الأدب المـغـربـي :: التصنيف الأول :: ما يخفيه سواد قوس قزح-
انتقل الى: