مـنـتـدى بـيـت الأدب المـغـربـي

أنـت ومـا تـكـتـب لا مـا أنـت عـلـيـه
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 غرق السندباد ل محمد صباح الحواصلي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


عدد الرسائل : 92
تاريخ التسجيل : 25/02/2007

مُساهمةموضوع: غرق السندباد ل محمد صباح الحواصلي   السبت 19 مايو 2007, 05:02

غرق السندباد



محمد صباح الحواصلي



- "تعال نركض كي ندفأ."
صباحات لندن الخريفية شديدة البرودة. ضحِكْتَ لأن أسناني كانت تصطك بشدة دون أن أستطيع السيطرة عليها. وصلنا إلى المنتزه الذي ينتهي امتداده الرحب عند مدخل محطة "هايبري". وطئتْ أقدامنا العشب الندي الممتد حتى تخوم الحلم. رفعنا ياقتي معطفينا الداكنين وجعلنا نركض بتثاقل. تمنيتُ لو كان بإمكاني أن اتحرر من معطفي السميك وأصبح خفيفا مثل أوراق الشجر اليابسة المتدافعة بخفة فوق العشب اليانع. دفعتكَ فوق الحشائش الخضراء فتدحرجَتْ من أعماقك ضحكة مثقلة بالسعال.
- "تدفعني لأنك تعبت من الركض أيها العجوز."
لو تدري كم أخشى عليك أن تذبل مثل أوراق الخريف يا صاحبي. تمددت فوق
الحشائش الباردة. شعرت بدفء لم أكن أتوقعه في بلاد الضباب الباردة. دفء أحال ذلك الصباح الخريفي البارد إلى وقت فيه من الحلم الكثير بيد أنه لا يخلو من قلق. حلق بصري في السماء الرمادية, فاستقرت في أعماقي غيمة حزينة. يعود إلي صوت أمك: "الله يرضى عليك يا طلال خل بالك من ثائر.. أنتما اخوة والغربة ملعونة. الواحد منا عندما يصاب بأذى يقول (أخ).
سألتك ومازلنا نلهث:
- "ما الأخبار؟"
- "نكسون في الصين.."
- "دعني من نكسون والصين.. أقصد ما أخبار (أيرس)؟
مضت لحظات ريثما أجبت. شعرت خلالها أننا لسنا وحدنا. وكأنها مستلقية
بجانبك على الحشائش الطرية تداعب شلال شعرها الأشقر, وتغرق في غيابها.
- "أيرس دائما هناك.. بعيدا.. في أعماق قلبي."
- "أريدك أن تبتعد عنها."
تنظر إلي بانطفاء وتقول:
- "أنت غبي."
آه يا صاحبي لو تدري كم كان صوت أمك مشحونا بالقلق والرجاء. انه في
أعماقي نداء طفل غريق. كان آخر لقاء بيني وبينها قبل سفري إلى لندن بساعات في غرفتك الصغيرة التي تغص بالكتب والأحلام والجنون. قالت لي يومها: "أنا خائفة على ثائر."
"لا داعي للخوف يا خالة, ثائر واع وناضج."
"لا يا ابني. ثائر – يا حبة عيني – طفل صغير لكن أحلامه كبيرة. تصور كان
يقول لي أنا مسافر إلى لندن كي أغير العالم. قل له, الله يرضى عليك, لا تغير شيئا. خله يرجع إلى والى بلاده سالما والدنيا بألف خير."
"ثائر, يا خالة, راح يدرس وسيعود بشهادة عالية من معهد كبير."
قالت باستفسار لا يخلو من ريبة: "يدرس أيش؟ والله ما قال لي!"
"يدرس الإخراج السينمائي."
"ونحن تنقصنا سينما! ثم من أين المصاري!؟"
كنت أعلم أنك راحل لكي تخوض تجربتك الكبرى. كانت السينما بالنسبة لك
بديلا عن واقع فاسد مزيف. كنت تقول لي: "طالما عجزنا أن نتغير فلنتغير, على الأقل, على شريط سينمائي. حلمي يا طلال أن أرى إنسان الغد المتحرر من الخوف, المعافى من أدران الجبن والنفاق ولو على شريط سينمائي."
"اطمئني يا خالة سأحثه دائما على الكتابة إليك."

ينسحب الدفء رويدا رويدا من أطرافي ويسودها برد نسبي. أجلس وأغرس بصري في عينيك السوداوين اللتين غرقت فيها آمال عراض. أعاتبك:< SPAN style="FONT- SIZE: 14pt;FONT-FAMILY: Simplified Arabic;">
- "لماذا لا تكتب لأمك يا ناكر الجميل؟"
يستفيق في عينيك المنطفئتين بريق كان غائبا, وتلوح لي من خلف ذاك البريق
ملامح الخيبة والشعور بالذنب, وأرى في عينيك بحرا ثائرا لا شطآن له, سماؤه سحب داكنة تتمزق بحركة هائجة. غابت البسمة الخضراء عن وجهك الذي أمسى شاحبا, ويأتيني صوتك خافتا:
- "ما معنى أن أكتب لأمي؟" وتدمع عيناك.
- "معناه أنك جاحد وعاق."
أنا أعلم أن كلماتي لن تترك أثرا في نفسك. فلقد أحرقت يا صاحبي حقول
الكلمات ولم تبق منها إلا ما حسبت أنه سيوصلك إلى رؤية جديدة للوجود.
كنت, عندما ألمح وجهك القديم يطل من وراء غضون وجهك المرهق, أشعر أنني مشتاق بجنون إلى صاحبي الذي مضى. مشتاق لطلعة العافية التي كنت أراها تمخر البحار العميقة في عينيك المشبعتين بالكبرياء. مشتاق لدمشق والصحاب, مشتاق أن أسمعها منك ثانية: "الإنسان موقف." مشتاق إلى معالم الأمس, للحوار, للصدق, للعالم الذي كنا نحسب أنه سينتهي من بعد رؤانا. مشتاق لقراءاتنا في "النقد الذاتي بعد الهزيمة".. للأصوات المتميزة التي شغلتنا حتى تخوم الهوس.. لخليل حاوي, وأمل دنقل, وزكريا تامر, والطيب صالح..
أماسي لندن الخريفية أشد برودة. قاسية كالسقوط, كالخيبة. عتمتها مضاءة باصفرار ينسجم وصمت هذه المدينة المريب. أخرج من محطة "هولند بارك". الأشجار والطرقات في هذا الحي تأخذني بعيدا إلى مدينة منتظرة في حلم جميل حرون يأبى أن يفيق. هنا أيضا, في الطرقات النموذجية الهادئة, صعقتني المفاجأة عندما رأيت بقعا زرقاء على ساعديك.. عند الوريد!
لقد ضللت الطريق يا صاحبي.. ضللت الطريق.
أين أمنيات الأمس الجميل؟ أين إنسان الغد المحرر من أدران الخوف؟ أين النبرة الرصينة الواثقة وأنت تلفظها في جزم: "الإنسان موقف".
أنا أذكر كيف كانت البداية.. كيف تقلصت في أديم وجهك تلك الضحكة الشاردة من مشارف البراءة. وبريق العين كيف أخمدته بخدرك, وشلال الكبرياء الذي كان يهدر في حضورك كيف جف في متاهات الغياب..
أنا أذكر من البداية أشياء. أذكر منزلا من زجاج كان يستقبل كثيرا من الشمس عندما تسطع في سماء لندن.
- "هناك يا طلال عثرت على امرأة من نور. تأخذها الشمس عند المغيب
وتعود بها إلى القلب الزجاجي عند الصباح. (أيرس), يا صاحبي, لو تنعم برؤيتها حلم في حلم."
لا أخفيك أنها كانت جميلة. رقيقة في نحولها, جذابة حتى في شحوبها, وفي
حضورها انكماش أنثوي يثير مكامن غريزية محرضة. وعندما حذرتك أن في نظرات (أيرس) دعوة للخيانة والغياب, عجبت كيف كنت منطفئا في رد فعلك. لقد بدوت لي في إجابتك وكأنك لست من شرقنا الجميل البعيد.
- "إن كنت تريد أن تنام معها فأيرس لا تمانع.. وأنا أيضا!"
وكم أذهلني أن أخبرتني لحظتها أن (أيرس) حامل! منك.. من آخرين.. من
الجميع.. من لا أحد.. أنت لا تدري!
- "والجنين.. ما مصيره؟"
وتفلت منك ضحكة شاحبة مجنونة:
- "سيكون بيننا.. واحدا منا."
- "أوتحسب أن رعايته بين مدمنين أمر سهل."
- "سنحاول."
- "لكنه ليس ابنك!"
- "وما أدراك؟ ربما يكون ابني. ثم إن مجرد الإقلاع عن التفكير بهذه التوافه
يجعل من هذا الطفل ابني, ويجعل الحياة أكثر روعة.. أكثر نشوة ومسرة."
- "أكاد لا أصدق يا ثائر!"
- "في مكان ما من هذا العالم يستطيع الإنسان أن يلغي القيم. تصور كم هو
رائع أن تذوب القيم وتتداخل فيما بينها كألوان الشفق. لو استطعت مثلي أن تهدم جدران القيم القاسية فانك حينها ستبلغ بوابة المطلق حيث تتربع الحقيقة بكل سطوعها. هناك, أنت ملاق ذلك الصفاء الذي لا يمكن أن تلقاه في عالمكم الزائف."
ولكن يا صاحبي عندما دارت الأيام, والصقيع لا يرحم في بلاد الشمال كان من المستحيل أن تهدم جدار الحنين. الحنين إلى ذلك الوطن الذي لا يمكن أن تهدم جدرانه التليدة. وكم سرني أن سمعت شفتيك تهمسان بشعرنا العظيم فكدت أصرخ: "صاحبي ما يزال حافظا للشعر العظيم!"
كانت في عينيك دمعات خبيئات وأنت تردد مقطعا للسياب:
"هو لن يعود,
"أوما علمت بأنه أسرته آلهة البحار
"في قلعة سوداء في جزر من الدم والمحار."

- "قل لأمي يا طلال ألا تنتظر عودة السندباد من السفر. قل لها لقد غرق
السندباد.. ابتلعته البحار."

المساء الأخير.. والليل بارد كما عهدناه في بلاد الشمال. وقفت خلف زجاج نافذتي أرقب النجوم. مسحت البخار براحتي. قلت في سري: لعلي أعثر على نجمة تائهة من بلادي. وعندما لقيت نجمة منطفئة الوميض تبحث عن نكهة الوطن البعيد, تحت مصباح أصفر عند منعطف بارد, ناديت بكل ما في عطفي من حزن وحب:
- "ثائر.."
فاصطدم ندائي بالزجاج. فتحت النافذة.. لوحت.. ناديت:
- "ثائر.."
الطرقات صامتة متجمدة كالموت. خشيت أن يتجمد ندائي فناديت مرارا:
- "ثائر.. ثائر.."
في بلاد الشمال ثمة مكان صغير مغمور بالدفء والإلفة والحنين, فتحته لك..
فتحت بيتي الصغير.
في الأوقات الأخيرة من المساء الأخير, وجدت في عينيك المتعبتين رغبة من
نكهة الأيام القديمة, فألقيت بصدري على صدرك, وغبنا في عناق. كنت تبكي يا ثائر, وكنت أسمع نحيبا خافتا على الرغم من كبريائك. وكانت ذراعاك وهما تضغطان بقوة تبوحان لي بانهيارهما: "إنني خائف.. خائف.."
- "لقد تعبت يا صاحبي. ولكن لا تخف.. نحن معا.. وسنبقى معا."
وكأنني كنت أرى عناقنا يذوب في نقطة بيضاء وسط هذه المدينة الداكنة الغارقة
في الإثم والضباب. كنت أنا أيضا خائفا, ولكن تعين على في تلك اللحظات أن أمدك بالقوة.
في ذلك المساء احتسينا الشاي بالكؤوس الصغيرة, وتحدثنا عن دمشق الجميلة, عن الأم والعودة والصحاب. قلت لك لقد ماتت آلهة البحار.. وولت متاهة الخدر, وتحطم البيت الزجاجي ولم يعد يستقبل شمس الصباح المزعومة. ليلتها ظللنا نقرأ الشعر حتى غفت الظلمة بين أهدابنا.
ولكن عندما أفقت عند الضحى لم أجدك! بل وجدت بقايا أمسية أخيرة.
وصار يا صاحبي أن رحلت.. ولن تعود..

محمد صباح الحواصلي
قاص سوري من أهالي مدينة دمشق, مواليد 1949
دبلوم في اللغة الإنجليزية, لندن 1971 – 72
بكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة دمشق عام 1976
عملت في حقلي الترجمة والتدريس 1973 – 1976
ثم خبيرا في الترجمة في المؤسسة العامة للكهرباء, دمشق, عام 1980
عملت مترجما ثم مديرا اداريا في شركة أوشكو بي آيه أي, الرياض 81-86
عملت مساعدا للمدير الإقليمي في شركة وستنجاوس, الرياض, 86-88
ثم مديرا إداريا لشركة الجريسي لخدمات الكمبيوتر, الرياض, 1988
عضو جمعية أصدقاء مدينة دمشق.
أكتب القصة القصيرة منذ عام 1982 في الصحف السورية والعربية, الورقية والرقمية.
صدرت مجموعتي القصصية الأولى "منمنمات على جدران دمشق القديمة" في دمشق عام 1990
وفي ملف (قضايا أدبية.. العدد الخاص بكتب عام 1991) من جريدة "الأسبوع الأدبي" السورية أختار الدكتور بديع حقي كتابي "المنمنمات.." (مع رواية للقاص فواز حداد) ليكونا من كتب ذلك العام.
شاركت في أمسيات قصصية في المركز الثقافي في دمشق.
أنشر في الصحافة العربية منذ عام 1971, وفي المواقع الإلكترونية منذ عام 2004
مجموعاتي القصصية المخطوطة:
2- غرق السندباد
3- تكوين
4- حكايات مخزن شارع 44
5- طفولة تسرب حكاياها
أعد حاليا للنشر مجموعتي الثانية "غرق السندباد".
وأعمل على ترجمة مجموعتي "المنمنمات...", Miniatures on the Walls of Ancient Damascus, إلى اللغة الإنجليزية. / DIV>
مقيم مع اسرتي في سياتل, الولايات المتحدة, منذ عام 1992.
أعمل حاليا مديرا إداريا في بنك لاينز للعيون, Lions Eye Bank.
عنواني الإلكتروني:
sabahhawasli@ yahoo.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://difference.forum2discussion.com
 
غرق السندباد ل محمد صباح الحواصلي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مـنـتـدى بـيـت الأدب المـغـربـي :: التصنيف الأول :: تلقي بياض السرد-
انتقل الى: